جلال الدين الرومي

580

المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )

الدبس والدبس هو الخل ، أي أن عطاء الحق وعطاء رجل الحق من مصدر واحد ، وإن كان أحدهما شديد الحلاوة كالدبس والآخر كالخل ، إنه من تصور فهمك أن تظن أن السيد المحتسب كغيره من الناس ، وهذا يثير غيرة الحق الذي لا بد وأن تثور غيرته ، من أجل أوليائه ، فكيف تعتبر هذا السيد الذي جاوز الأثير بجوده ومآثره مثل بقية الخلق الذين يشبهون الفئران القابعة في جحورها ولا تقوى على الخروج في ضوء الشمس ؟ ! إنك أن فعلت هذا تكون كإبليس الذي لم ير من آدم إلا الطين ولم يدرك روح الحق التي نفخت فيه وكانت سبب الأمر بالسجود ، وإياك أن تعتبر مدرك شمس الحقيقة مثل أهل الدنيا ( الخفافيش ) ، إن خلقته وإن كانت مثل الناس بالصورة ، إلا أنه رباني لأن الله سبحانه وتعالى لا يتجلى على مثال الصورة ، إنه أدرك شمس الحقيقة ، وزال عنه جمود الصورة وجمود الإنسانية ، وفيه رائحة من الحق مثلما يحمل زيت الورد رائحة الورد ويختلف بهذا عن زيت السمسم . ( 3202 - 3224 ) : إن رجال الحق عندما بدلوا ، لم يعودوا من الخلق ، أي لم يعد بينهم وبين الخلق وجه مشاركة ( عجنت أجسادهم أيضاً من النور ، الكتاب الثالث البيت 8 ) ، فدعك من كل خياراتك هذه وصحيح بصرك بالنسبة لهم ، إنهم أرواح فحسب والإنسان روح ، فكيف يأمر الله الملائكة بالسجود لآدم إذا كان يعتبر آدم مجرد جسد من تراب فحسب ؟ لقد كان السجود لآدم لأنه روح ، روح واصلة ومتصلة بالوجود الحقيقي وجزء منه ، لكن هذا الوجود الصوري مجرد جدول ، وتجلى الحقيقة فيه بمثابة تجلى صورة تفاحة من هذا الجدول من شجر توجد خارجه ، لكن الإنسان من جرد هذا القبس المتجلى على هذه الصورة يمتلئ بمعارف الغيب ( الثمرة دليل على الشجرة وصورة الثمرة دليل على الثمرة ) فلا تكن مثل أولئك الذين نزلت فيهم الآية الكريمة ، وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ ( الأنعام / 39 ) ، وما حاق بهم هذا الجزاء إلا لأنهم كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ ( الأنعام / 5 ) ، لكنك إن أسلمت أمرك كله لله ، ونشدت الحقيقة ، صارت رؤيتك هي رؤية الحق ، وفعلك فعل الحق ، مثل أحمد المصطفى صلى اللَّه عليه وسلّم الذي نزلت فيه الآية الكريمة وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ